عن الحنين إلى نَجد
Paul Lazergls (1899)
- أضع اللوحة هذه لإحساسها الجميل واعتقادي بمناسبتها مع ماكتبت، بغض النظر عن ارتباطها الحقيقي بنجد من عدمه -
في الساعة الثانية فجرًا، أكتب محملة بالكثير من مشاعر التوق والحنين إلى أراضي نجد، أسترجع أبيات شعرية لابن خاتمة الأندلسي، يستفتح فيها قصيدته ويقول :”أحِنُّ إلى نَجْدٍ إذا ذُكِرَتْ نَجْدُ ويَعْتادُ قَلبي مِنْ تَذكُّرِها وَجْدُ“ وهذه الأبيات فيها مافيها من قربها إلى قلبي وذلك لأسباب كثيرة، أبرزها أنها استطاعت أن تشرح احساسي وشوقي لنجد، ولأنها بالنسبة لي بلسم يحتويني، و أرى انعكاس نفسي المشتاقة إلى نجد في ثنايا حروفها، وأخيرًا، لأني أعدها كمرجع دائم أعود إليه بشكل شبه يومي خلال الفترة الماضية، التي سكنت ولا أزال أسكن في أقاصي شبه الجزيرة العربية، بعيدًا عن أراضي نجد بمئات الكيلو مترات، و أتأمل في هذا الشعور بالشوق والحنين إليها، و إلى جوها الجاف و صحراءها القاحلة، وليلة بدرها التي لطالما شعرت أنها تختلف عمّا سواها على هذه الأرض الكروية، متيقنةً و مؤمنةً أن نجد لمن سكنها و أحبّها ليست كأي أرضٍ أخرى.
شخصيًا، قبل أن أبدأ في رحلة التنقلات المستمرة، لم أدرك ماهية الشعور الذي تتركه فيك أرضًا كنجد، تجعلك تسهر ليالٍ لا لسبب إلا لأنك مشتاقٌ إليها، و أكاد أجزم أن الشوق إلى أراضي نجد وإلى أهلها صورة تتكرر على ساكنها إينما ارتحل، فنجد تجعلك تراها عندما تسكن في مكان ماطرٍ بشكل شبه يومي، تاركةً إياك في سلسلة من الأفكار، في ربيعها لو كانت هي بدورها ماطرة بشكل يومي و إلى أي حدٍ ستكون خضرتها ناظرة؟ و ماذا لو كان يتوسطها بحر؟ كم ستكون لياليه و صباحاته عذبة؟ و أحيانًا في يوم عادي ترى نجد في الناس الذين يتبضعون معك في البقالة، تجعلك تستذكر شهامة أهل نجد و طيبتهم للبعيد قبل الغريب، و احترامهم للكل بلا استثناء.
و مع قرب انتهاء صيف نجد القاسي والحار، أو كما نسميه ” اللّاهوب ، والقيظ “ والعيش فيها
( في المعجم، القَيْظُ : صَمِيمُ الصيْف ، وهو حاقُّ الصيف ، وهو من طلوع النجم إِلى طلوع سهيل)
و تعد هذه من أشد التجارب صعوبة، على الكائن النجدي، بالرغم من أنها متكررة في كل سنة! إلا أننا نعيشها و كأنها تجربتنا الأول، و كلٌ يجزم أن حر السنة هذه أشد من سابقتها و هكذا تستمر الدوامة بالتكرار!!! بالرغم من ذلك كله، لازلت أعيش كل سنة بحماسة! و أستشعر الإحساس بتغيّر الفصول في أقوى صوره! أن تعيش الصيف الحار وتخرج منه بعقل سليم وجسم معافى يعني أنك حققت إنجاز عظيم و أنك بلا شك قادر على استقبال الشتاء بحفاوة وحماسة لكل تفاصيله، ولأننا في نجد قاربنا على أبواب الشتاء واستقبال أيامه ولياليه، أعد هذه الفترة بالنسبة لي مستعصية! بل مضنية! فكلٌّ الأهل والأصدقاء في نجد يشاركوني طقوس استقبالهم للشتاء وشعورهم مع تبدل نسمات اللّيل إلى استقبالهم لسماء الصبح التي بدأت في اتخاذ لون أزرق داكن عن ما سبقه! (النجدي سيعرف الفرق بين زرقة السماء في الصيف والشتاء والفارق الهائل بينهما)!
ملاحظة: بعد عملية بحث بسيطة، اكتشفت أن هناك فرق فعلي ومثبت علميًا بأن لون السماء وزرقتها تتغير، و هذا يسمى بـظاهرة —تباين لون السماء — ولها أسباب عدة!
و مع استمرار كتابتي عن مشاعري تجاه نجد و أراضيها، و أغاني طلال التي تصدح بصوتٍ عالي في الخلفية، كل ذلك يدفعني بدوري إلى التفكر في الأشياء التي ذكرتني و تذكرني بنجد!
أنبه على أنها ربما لا تملك صلة وطيدة حقيقية، إنما هي مجر احساس بالارتباط بينها مبني على تجارب وذكريات شخصية.
زهـــر الإقحوان. أو ما يسميه بعض أهالي نجد (القحويان، أو القحوان) ــ
في المُعجم : نَبَاتٌ مِنَ الفَصِيلَةِ الْمُرَكَّبَةِ، لَهُ زَهْرٌ أبْيَضُ وَرَحيقٌ أصْفَرُ، ذُو رَائِحَةٍ عَطِرَةٍ، تَحْمِلُ رُؤُوسُ أغْصَانِهِ زُهُورَهُ، يَنْبُتُ بَرِّيّاً وَيَكْثَرُ فِي الْمُرُوجِ، وَيُزْرَعُ لِنَوْرِهِ، يُوجَدُ فِي أغْلَبِ البُلْدَانِ.
— أغنية سعد التمامي (رحمه الله) بعنوان ”شفت الخالة واعجبتني في مشيتها“ وارتباطها شخصيًا بذكريات الطفولة.
— الفنان طلال مداح (رحمه الله) و جميع أغانيه بلا استثناء ، باعثة للشعور بالسكينة في ليلة يكتسي سماها البدر.
— القهوة السعودية، في أوقات متفرقة من اليوم، تارة في الظهيرة وأخرى في المغرب / و تحديدًا لو كان يصاحبها رائحة العود في الأجواء
— الجريش الذي تصنعه الوالدة بالذات، و لقيمات رمضان من جدتي (حفظهما الله)
— الجيران والمجتمعات المترابطة المتلاحمة التي لا يتخللها أية مشاعر مذمومة، الانسان للانسان وفقط.
و هناك الكثير من التفاصيل التي اتعذر عن ذكرها خشية على القارئ العزيز من الفتور، أو حتى علامات الاستفهام العابرة والتساؤلات عن علاقة ماذكر بنجد بالذات!! ولكن أتمنى أن تتفهمني ياعزيزي القارئ فكل ذلك ومجددًا مبني على احساس شخصي و ذكريات متراكمة!
و أختم تدوينتي بالتعبير عن مشاعر اللهفة الجياشة للعودة لأراضي نجد و أحضانها، للعودة لتفاصيل الحياة اليومية بما يتخللها من أحداث ومشاعر كُثر، و أتطلع لشتاء جديد أقضيه مجددًا في نجد العذية، نجد الأنس والمحبة.
شذى : اكتوبر، ٢٠٢٤م

