في الرّبيع تتجددُ الأحلام
عن حبي لفصل الربيع وارتباطه بالنسبة لي بكل جميل
يلفظ اليوم فصل الشتاء أنفاسه الأخيرة مودعنا بعواصفه الباردة و أمطاره الغزيرة. وها أنا ذا كما عهدت على نفسي أستقبل الربيع بحماسة شديدة و تطلّع كبير. اخترت العنوان هذا لإيماني بأن الربيع فصلٌ تتجددُ فيه الأحلام، بل أحيانًا أشعر أنها تتحقق فيه!
يأتينا الربيع كل عام كالهدية، محملًا بنسماته اللطيفة، و وروده المزهرة، وشجره المخضرّ. يعوضنا عن رياح الشتاء الباردة، و أيامه القارسة. و أحب أن أتأمل نواحٍ عدة في تبدل الفصول، و أولها ملامح الحياة فيها بشكل عام، ففي الربيع تهاجر الطيور وتبدأ بغناءها الجميل، ويخرج الأطفال و أهاليهم للحدائق و تكثر فيه النزهات.
أحببت اليوم أن أتخذ هذه المقالة كمساحة للتعبير فيها عن حُبي لفصل الربيع، و أن أشارككم أفكاري وتأملاتي الخاصة عن الفصل المفضل لديّ ولماذا هو كذلك؟ و أن أشارككم طقوسي المفضلة فيه. آملةً بأن يكون في مشاركتي هذه تنبيه للمسرّات الصغيرة من حولنا، و دعوة لتبادل الطقوس المفضلة لدينا جميعًا.
أحبُ في الربيع فكرة أنه النقطة الفاصلة بين فصليّ الشتاء والصيف، بين البرد القارس والحر اللاّهب. وفي أن ملامح قدومه تختلف عمّن سواه من فصول السنة؛ ففي الربيع تتفتح الأزهار، وتتزين الأراضي والمساحات الخضراء بالألوان المشرقة والجميلة، والحيوانات تخرج للحياة بعد سباتها، والطيور تعود من هجرتها. أيضًا أحب فكرة أن الشمس تشرق باكرًا و تغيب متأخرًا، وهذا معناه أن النهار أطول وحصتي اليومية من الشمس تزداد. أحب الربيع لأنه يذكرني بالأمل، و يجدده في قلبي، ومن ينظر للربيع بعينٍ متأملة يرى فيه مثال حيّ على حكمة جوهرية في الحياة، أننا بعد العواصف والأيام الشداد سنعود أفضل مما كنّا عليه. مزهرين، ومشرقين، وجميلين لناظرينا. أحب الربيع لأنه باعث من بواعث التفاؤل في نفسي، أتأمل الجمال من حولي والتغيّرات التي تطرأ على أرضي و أتفاءل أنا أيضًا و استبشر بالقادم. وكيف لا أفعل وأرضنا الأم تعطينا مثال جميل على ذلك!
أما عن واحد من الطقوس التي أستمتع بفعلها مع دخول فصل الربيع، ألا و هو تتبع آثاره، و أعني بذلك هو التخطيط لرحلات خاصة فقط لتأمل الربيع في بلادي و أرضي الحبيبة نجد. ومن يعش فيها يعرف كيف أن للربيع طابع خاص و مختلف. تحديدًا هذه السنة - بالرغم من قولنا ذلك كل سنة- فبعد جفاف الشتاء يصبّ علينا المطر صبًا لأيام متتالية، و تصبح أرضنا خضراء حسنة لناظرها، فيها الزهر والأعشاب المتنوعة ذات الرائحة العطرة. ناهيك عن منظر الجِمال التي تسرح في أرض الله و تأكل من خيراته. و أراني في وسط هذه المناظر الخلّابة أغرق تأملًا و تفكرًا في إبداع الخالق وعظمته.
أشارككم اليوم بعض من الزهور التي أحب تأملها واكتشفتها خلال رحلاتي الربيعية في أرضي الحبيبة نجد، المملكة العربية السعودية. (أحب أن أنوه إلى أن بعض مسميات الزهور قد لا تكون دقيقة، أو علمية، فهي أقرب لمسمياتها المتعارف عليها من حولي، وأن أمكانية اختلافها واردة).
القحويان
أو كما هو متعارف عليه، زهرة الأقحوان، وفي سياقي هذا أقصد به القحويان البريّة التي تنبت في الصحاري. يقول عنها البحتري : شقائق يحملن الندى فكأنه
دموع التصابى في خدود الخرائد
ومن لؤلؤ في الأقحوان منظم
ومن نكت مصفرة كالفرائد
القحويان هو نبات “أزهاره دائرية لها بتلات بيضاء متعددة وبداخلها قرص أصفر وله رائحة جميلة. او يقال، [ق ح و]. (نبات).: نَبَاتٌ مِنَ الفَصِيلَةِ الْمُرَكَّبَةِ، لَهُ زَهْرٌ أبْيَضُ وَرَحيقٌ أصْفَرُ، ذُو رَائِحَةٍ عَطِرَةٍ، تَحْمِلُ رُؤُوسُ أغْصَانِهِ زُهُورَهُ، يَنْبُتُ بَرِّيّاً وَيَكْثَرُ فِي الْمُرُوجِ، وَيُزْرَعُ لِنَوْرِهِ، يُوجَدُ فِي أغْلَبِ البُلْدَانِ. :-لَمْ أكُنْ أرَى إلاَّ الأقْحُوَانَ فِي هَذِهِ الْمُرُوجِ.
المعجم: الغني
الخزامى
وهي زهرة تشتهر بها بلادي الحبيبة، و تعرف بلونها البنفسجي و أوراقها الصغيرة الخضراء. “و الخُزامى بضم الخاء، هي نبتة عشبية مُعَمَّرة عطرة من الفصيلة الشفوية، ذات أزهار بَنَفْسَجِيّة، عُرف بكونه من أطيب الأفاويه ورائحته ذكية.”
قال فيها امرؤ القيس " كأن المُدامَ صَوْبَ الغَمـام.. ورِيحَ الخُزامَى ونَشْرَ القُطُر" و يقول أيضًا،
ألا ليت شعري عن عُوارَضَتَيْ قَنًا
لطول الليالي هل تغيّرتا بعدي
وعن عُلُوِيّات الرياح أذا جرت
بريح الخُزامى هل تهبّ على نجد
اليعضيد
أو العِضيد عند البعض، يعتبر اليعضيد عشب ربيعي رعوي جيد للإبل والأغنام وينمو بعد سقوط الأمطار. في المعجم الوسيط هي بقْلَةٌ برّيّةٌ، من الفصيلة المركبة.
تشبه الهندباء البرية، وتنبُتُ في الأراضي الرَّملية، و العامة يسمونها [الجُعْضيض].
قال النابغة ووصف خيلا :
يتحلب اليعضيد من أشداقها صفرا مناخرها من الجرجار
والكثير من الزهر والنبات الذي يظهر في الربيع، كاليهق، والعرار الشهيرة، و الخردل، والنفل، والقلقان، والقرقاص، و أخيرًا الحميض. ولكن سأكتفي بذكري لهذا القدر اليوم. لعل في قادم الأيام مناسبة أكتب فيها بإسهاب عن زهور بلادي الحبيبة.
أما عن طقس آخر من طقوسي المفضلة في فصل الربيع، فهو أنه الموسم الذي تكثر فيه النزهات. سواءًا كانت تلك مع العائلة، أو مع الأصدقاء، أو حتى لوحدي. أقضي في هذه النزهات أوقاتًا سعيدة، و مريحة للروح والعين. أخرج من المنزل باكرًا لكي أتنعم بأشعة الشمس، مع كتابي، و قهوتي، و ربما بعض الوجبات الخفيفة، و أجلس على العشب، أو كرسي. أقرأ، أتأمل لعب الأطفال، و مشي الكبار و أحاديثهم الجدية. أتمعن في الشجر يتراقص بفعل الرياح الباردة، والطيور تتخاطف مسرعةً لجمع أكبر قدر من المؤونة، قبل حلول الليل. و أعيش لحظات جميلة أتمنى مراتً عديدة أن لا تنقضي، و أغرق في أمنيتي هذه و أتخيل أن الوقت وبشكل سحري يتوقف لو مرة واحدة، و أن تكون الحياة كلها ربيع.
أحب أيضًا أن أستكشف الأغنيات الربيعية، أو على الأقل تلك التي تذكرني بالربيع. واللوحات الفنية. أحد الأغاني التي أحبها أغنية ماجدة الرومي: الحلم الجاي، أيضًا أغنية سلوى القطريب: خذني معك على درب بعيدة. أحب هاتان الأغنيتين لأنها بالنسبة لي تحمل ارتباط وطيد بالربيع، و كأنها تحمل نسائم الربيع في نغماتها.
أما عن الأعمال الفنية، فأحب تأمل ملامح الربيع في شتّى بقاع الأرض المباركة، وكيف يتغنى فيها كل فنان بطريقته و أسلوبه الخاص. و أحيانًا يتخيّل لي من كثر التأمل أني صرت واللوحة جزء واحد. أو حتى كأني أعيش في داخلها. و أؤمن أن هذه هي القوة الحقيقية للفن، فالفن الخالص لا ينقل لمتلقيه منظر طبيعي، أو عابر فحسب،وبل إنه يتحد معه في كيان واحد، خاص، وفريد من نوعه.
و في ختام مقالتي هذه، آمل أن يحظى جميع القراء ، أينما كانو بربيع ساحر، و مختلف، و جميل. و بأن أكون وفقت في نقل تجربتي هذه التي من خلالها أرسل إلى القراء الأعزاء دعوة للتأمل في الجمال من حولنا والتفكر فيه، واخذ راحة من كل ماهو سريع في حياة اليوم، ورؤية العالم وهو يتغير، ويتبدل للأجمل.
شذى






