كيف ينقذنا الفن؟
عن الفن كأساس لحياة الإنسان
“ الفن هو المرآة التي تظهر لنا العالم خاليًا من الألم”
شوبنهاور
يجد المرء نفسه اليوم في وسط عالم سريع، مزدحم، واستهلاكي أكثر.أيام عمل متكررة لا نهاية لها، وطاقة مستنزفة بالكامل. وفي نهاية كل يوم يعود إلى البيت لا طاقة له إلا للقيام بأكثر الاحتياجات اساسًا، الأكل والشرب والنوم. يقضي الانسان معظم عمره في الجري وراء أهدافه المهنية. غافلًا عن جانب مهم في حياته الا وهو احتياجه الرئيس للفن. وهذا ما سأتحدث عنه اليوم في مساحتي هذه.
بعد كثير من الاطلاع أجد نفسي مدركة لندرة الاهتمام لهذا الجانب الانساني في مجتمعاتنا العربية وجهل حقيقة أن الفن هو فعليًا ما ينقذنا! وذلك لأسباب دينية وتقاليدية لن أطيل الحديث عنها هنا لأنها ليست المقصودة.
ماهو الفن؟ وما تعريفنا للعمل الفني؟
وفقًا للفيلسوف الإيطالي بنديتو كروتشر، وهو أحد الفلاسفة الذين اهتموا بوظيفة الفن في الحياة، فإن الفن هو التعبير عن عاطفة أو حدس أو شعور يخرج من خيال وتصور إنسان بهدف إسعاد الغير، دون أن يهدف إلى تقرير حقائق أو توجيه أخلاقيات. وبالرغم من تعدد التعريفات للفن والعمل الفني، إلا أنني وجدت أن هذا الأخير هو التعريف المثالي للفن.
أما تعريف الفن بالنسبة لعبّاس محمود العقّاد رحمه الله:
«إن الفن في أصل اللغة: هو الخطّ واللون، ومنه التفنين بمعنى التزيين، والتزويق، والأفانين بمعنى الفروع أو الضروب، وهكذا كلّ ما تعدّد فيه الأشكال والأوصاف مما يُنظر بالأعـين أو يُدرك بالأفكار.»
والفن بالنسبة لي شخصيًا، وهو ما أقصده في مقالي هذا، أي عمل نتيجة للإبداع الإنساني الخالص باختلاف شكله النهائي، أكان لوحة، أو مقطوعة موسيقية، أو قصيدة شعرية أو رواية، إلى آخره. و بنظري لا يتطلب من العمل الفني أن يكون اختراع حديث الندرة ولم نشهد مثله آنفًا، أو إعجاز بشري. يكفي أن يكون نتاج التجربة الانسانية الخالصة، ونابعة من دوافع بشرية نتيجة تجارب إنسانية.
من هو المعني من الأعمال الفنية وهل يقتصر الفن على فئة دون الأخرى؟
هذا التساؤل رنّ في عقلي نتيجة ملاحظة المجتمع من حولي، فالإنسان العادي يشعر بحواجز تجاه الفن، وكأنه صار نخبويًا لفئة معيّنة من المجتمع. و أعزي ذلك لأن تواجده يكثر في أماكن معينة دون الأخرى، و يتجه له بكثرة جمهورًا دون الآخر. وهذا بالطبع ضرب من الجنون؛ فالفن عمل إنساني خالص يبدعه الفنان لكي يتأمله الآخر الذي بدوره هو إنسان أيضًا ويغوص في أعماقه، دون شروط و خصائص معينة.
أؤمن بواجب العمل على دمج الفنون بأنواعها مع كل أشكال الحياة والحد من حصره على فئة دون الأخرى! فنحن طالما نعيش تجربة تأمل العمل الفني واستنتاج بعض المشاعر، الأفكار، الرؤى، فهذا وحده كافيًا. وبالطبع في حالة لم تستنتج أي شيء من العمل لشعورك بحواجز بينك وبينه فهذا أيضًا مقبول. ودرس ثمين نتعلمه في الحياة.
لماذا نحتاج الفن؟
أدعوك قارئي العزيز إلى تأمل الحياة من حولك، ستجد أن الفن فيها ومنها. في الأشكال المطرزة والمرسومة على ملابسك، في أواني الطعام، في الجدران من حولك وقطع الأثاث، في كل مكان! ولذلك نحن نحتاج الفن في حياتنا كحاجتنا للغذاء والماء والمسكن. وقولي هذا لا مغالاة فيه. فالإنسان منذ بدء الخليقة وهو يعيش مع الفن ونجد ذلك في الآثار ورسوم الأحافير التي يستمر إنسان اليوم باكتشافها حتى هذه اللحظة التي أكتب فيها هذا المقال. بالطبع لم تكن الرسوم هذه لحاجة غريزية في نفس الإنسان فهو إن وجدت سيعيش و سيفعل إن لم توجد! وبالرغم من صعوبة توفير حاجات الإنسان الأساسية أنذاك يتوقف الإنسان عن الفن! وهذا إن دل على شيء فهو أن الفن حاجة أساسية للحياة البشرية.
لا أنسى في هذا السياق نوع بارز من الفنون ألا وهو الفنون الشعبية، فنون أجدادنا ومن سبقونا. وكيف أننا بتأملها ندرك ونعرف الكثير عن جذورنا وجذور الآخرين، التي تقودنا إلى حاضرنا. وهذا بحد ذاته أمر في غاية الأهمية، فالفن في هذه الحالة يتعدى كونه عملًا فنيًا إلى أكبر من ذلك، جزء كبير من التاريخ يخلّد فيه عادات، وتقاليد، و الكثير.
إضافةً إلى نقل الفن لثقافتنا نحن، فهو ينقل ثقافة الآخرين أيضًا، تجاربهم، نظرتهم للحياة، بل حتى تاريخهم. تتأمل في الفن فتدرس التاريخ والثقافة معًا!
و لا نغفل عن الأثر الكبير الذي يتركه في دواخلنا الفن، و أبرزها المرونة المعرفية، فمن خلال تأملنا للفن واحتكاكنا به نخلق افاقًا متفتحة، و أحكام وانتقادات للاخر اقل، لما ذلك؟ بنظري عندما نتأمل الفن ونتعمق في مختلف أشكاله و أنواعه، حتمًا سنجد مايوافق ذائقتنا و ما لا يفعل. وهذا بحد ذاته يعودنا على تقبل ما هو غير مألوف وغامض بالنسبة لنا بل أن ننمي ملكة الفضول اتجاه الغامض. تأمل معي عزيزي القارئ في الشخص الذي يترك بينه وبين الفن مسافة شاسعة، واحتكاكه به نادر بل معدوم في أسوأ الحالات، تأمل في تصرفاته، و تفكيره، وستعرف ما أعنيه.
كيف ينقذنا الفن؟
يساعدنا الفن على عيش الحياة. فهو أحيانًا يساعدنا في إدراك مشاعرنا بتسليط الضوء على تجارب انسانية عميقة تشبه التي نمر فيها، وهو بذلك يجعل الحياة محتملة أكثر.
فنحن عندما نعطي أنفسنا حق التأمل لأشكال الفنون من حولنا، نعطيها فسحة للتنفس، للعودة للجذور الحقيقية. ومع التأمل للفن لا بد و أن يمر بنا عمل فني يحرك مشاعرنا، بجعلنا نفكر، و نتأمل، ونحلم بمستقبل أفضل، بل حتى يواسينا بعرضه تجارب تشبه تلك التي نمر فيها، و كأنه يرسل لنا رسالة يقول فيه «لا تقلق! أنا معك».
شخصيًا أجدني أعود دومًا للفن متى ما اشتدت علي ظروف الحياة. ألجأ للفن كحبل نجاة من صعاب الحياة اليومية التي تعكر صفو مزاجي. فأقرأ كتاب أتسلى فيه، و أمر على نص يحرك مشاعري. و تارةً أسمع أغنية و أغرق في مشاعر المغني التي يحاول أن ينقلها من خلال صوته العذب و كلماته المؤثرة. و أخرى أتابع فيلمًا أجلته أيام، و أحيانًا شهور حتى أجد أنه هو ما أنا بحاجته فيكون سلوى لأيامي، أبكي و أضحك معه.
لا يفتأ الفن بإنقاذي بكل مرة ظننت أنني لا أقوى على رؤية ماهو أمامي من عتمة الأيام.


الفن هو الحياة🎶🤍
مافي حياه بدون فن