الحج، والحنين السنوي
في هذه المساحة كتبت عن تجربتي في الحج ومشاعري اتجاه تلك التجربة
في نفس هذا اليوم من العام الماضي، كانت محدثتكم في مشعر منى بين صفوف الحجاج، و كم كانت لحظات ثمينة!!
ملاحظة : من الممكن أن تتسم هذه التدوينة بالعشوائية، لكوني أعيد قراءة الملاحظات التي كتبتها أول بأول في رحلة الحج لذلك أتمنى تفهمك عزيزي القارئ.
من اللحظة التي علمت أنني سأقوم بأداء فريضة الحج إلى عودتي للمنزل و أنا مدركة أن الله اصطفاني وسخر لي الاسباب كلها لأنال هذا الشرف العظيم. لطالما شعرت بأني كنت محظوظة و أدركت ذلك من اللحظات الأولى فأنا يسر لي الله الحج في مطلع عشرينات العمر و ذلك مقارنة بالكم الهائل الذي رأيته يعتبر عمر صغير للغاية!
كتبت الكثير عن هذه التجربة واحتفظت بكل ما كتبت في دفتر الملاحظات في هاتفي ولعلّ هذه المشاعر التي تجتاحني اليوم تكون فرصة مواتية لكي أطلق العنان لما شعرت و أشعر به ولما فكرت وأفكر به اليوم.
تختلف رحلة الحج عن سابقها وتاليها، و عن كل رحلة سيخوضها الانسان في حياته. فهي بطبيعة الحال تمتاز بالتفرد من جميع النواحي روحانيًا، و جسديًا و حتى شعوريًا. ففي الجانب الروحاني يكون الحاج في بعد مختلف تمامًا، محاط بالطمأنينة والسكينة في كل الأحوال، يذكر الله كثيرًا و يفضي بمكنوناته و أمانيه في كل ساعة وحين. و مما يعرف عنه أن الحج في الصيف الحارق هو عبارة عن جهاد محفوف بالتعب والإرهاق، وبالرغم من التيسيرات والتسهيلات الآن خلافًا عن الحج في الماضي، إلا أن التعب الجسدي في الحج أمر لا بد منه، و ربما هنا تكمن عذوبة التجربة، فجسدك مرهق وكل عضلة تستنجد ولكن روحك ساكنة و مطمئنة، و مشاعرك في أفضل حالاتها، لا أبالغ بقولي أن السعادة طوال أيام الحج لم تفارقني! فكان بالنسبة لي كل منظر وكل شخص مصدر بهجة و سرور! فأول مصادر التفكر كانت بتأمل حشود الحجاج و اختلاف لونهم وجنسهم و لغتهم و أعمارهم! و شعرت بدهشة عندما أدركت أن كل شخص بين هؤلاء أتى إلى هذه البقعة الطاهرة محمل بأمانيه و أماني كل من يعرفهم ( كان الأمر كذلك في حالتي فقد دونت كل دعوة طلبها مني معارفي بالإسم!) و كم سنة أنتظر فيها ذلك الشخص لكي يأتي هنا؟ - قد سمعت من أحد الدول لاسيوية أن السبب في كون غالبية المعتمرين والحجاج من كبار السن أنه مشروع التقاعد لديهم!- و تذهلني أيضًا فكرة أن كل هؤلاء جاؤوا من مختلف بقاع الأرض قاصدين الوجهة نفسها وبالنية نفسها!
و كما ذكرت سابقًا أن الرحلة تتسم بالتحديات، أبرزها إدراكي الصريح بأن الرحلة لم تكن تتعلق بأداء الشعيرة فقط! إنما كل دقيقة فيها تشمل اختبار وتحدي من نوعٍ ما، و أتذكر ادراكي بوضوح انها رحلة اكتشفت فيها ذاتي بعمق ، و أدرك مدى تحملي الجسدي والعقلي لما يواجهني من مشقة وصعوبة. فنحن هنا نتحدث عن أنك تقطع عشرات الكيلو مترات تحت درجة حرارة تقارب الخمسين درجة مئوية، إضافة إلا شيء من الرطوبة يجعل التنفس الطبيعي أمر في بالغ الصعوبة! و بالرغم من ذلك كان المتطوعون والعاملون في جميع القطاعات يتسمون بالطيبة والبشاشة، التي تشعرك بالأمل و تربت على كتفيك المتعبة، بالرغم من أن التمكن من إدارة حشود بمئات الآلاف لأكثر من أسبوعين هو أمر في غاية الصعوبة، ولكن الجهود تتكلل أمامك في كل خطوة تخطوها وفي كل مشعر تذهب إليه ، وأعتقد لن يدرك هذا الأمر بشكل كامل إلا من كان في وسطهم!
يعرف عن حجاج الداخل أننا نذهب متأخرين مقارنة بغيرنا، في اليوم السادس أو السابع أحيانًا الثامن، و في حالتي كانت بداية الرحلة في اليوم السابع، وكان حج قران فكان اليوم مزدحم ومليء بالاحداث إلى درجة أنك تشعر بأن الأيام صارت ٤٨ ساعة وهذا شيء محمود بكل تأكيد، أما عن ماتفعله في هذه الأيام فهو الذكر وقراءة القرآن، وبالنسبة لي كانت ساعات الأكل شيء أقوم به لكي أتقوى و أشحن جسدي بالطاقة لاستكمال الشعيرة التالية، فآكل الأساسيات ولكن العناصر الثابتة في وجباتي هي الزبادي مع الشوفان (منقذي باختصار) فكانت وجبة مشبعة وسهلة الوصول في أي وقت وحين حتى في الباص وقت التنقلات، وهذه حكاية أخرى فبسبب الازدحام لا تدري هل ستقضي في الباص ٤٥ دقيقة أم ثلاث ساعات! ولكن حتى تلك لم تكن بالمشكلة بالنسبة لي لأنك تستطيع قضاء ساعات الانتظار بالتكبير و بالذكر وقراءة القرآن أنت وكل من معك من الركاب.
أبرز المشاعر التي خالجتني في تجربة الحج الاحساس بالحضور الكامل! فعندما تكون في مكة لآداء الحج محاط بآخرين يشاركونك الهدف ذاته، أنت تنسى النسخة السابقة منك التي تركتها عند باب الطائرة في ديارك، تنسى الماضي و تجاربك السابقة، تنسى الجراح والدموع التي ذرفتها وعلى ماذا ذرفتها؟ تنسى من كنت قبل الحج و تعود كما ولدتك أمك، نسخة جديدة بصفحة فارغة بيضاء ناصعة، تبدأ تعيش حياتك من جديد، أو هكذا كانت تجربتي أنا.
لم تكن هذه التدوينة تحوي الكثير، و أشعر اني قصرت في وصف الكثير و تصويره لك عزيزي القارئ، ربما يعود ذلك لضخامة التجربة وعظمتها، فهي حسية أكثر من أي شيء آخر، تشعر بها وتعيش فيها، والباقي تحمله كذكريات تردد في عقلك بشكل دوري كل سنة في موسم الحج ، كشعوري الحالي تمامًا وذلك مادفعني للكتابة في هذه المساحة في المقام الأول.

