هواتفنا تسلبنا حياتنا
عن رحلتي مع إدمان الجوال والاستهلاك المفرط للهاتف الذكي ومحاولاتي للتغلب عليها.
عندما أتأمل الحياة التي نعيشها اليوم أجدها جد غريبة. وأبرز البواعث على هذا الشعور هو إدمان الأجهزة الذي صرنا متأثرين به جميعًا. فكل واحد منّا صار يقضي جلّ يومه حبيس قطعة معدنية لا تتجاوز حجم اليد، أكثر مما يعيش حياته حقًا. لدرجة أنك تتساءل كيف أصبح ماكان يومًا جانبيًا، أساسيًا يستحيل الاستغناء عنه ناهيك عن التخفيف من استخدامه!
ترى الناس من حولك أينما تذهب في ثبات مُميت لا يتحرك منهم إلا مقلتي الأعين يمنةً ويسرة، لأعلى ولأسفل لساعات طويلة، منهمكون في متابعة المسموع والمرئي بشكل يومي، و تنهال عليه أخبار لا تنتهي معظمها يتسم بالتفاهة، ولو تمعن التفكير فيها حقًا لأدرك أن معظمها -إن لم يكن كلها- لن تقدم أو تأخر في حياته! لم نعد نألف ساعات الفراغ التي لا يفعل فيها الانسان اللا شيء وصارت هذه الأخيرة أمر لا يُحتمل، بالطبع نحن نتشارك اليوم في هذا جميعًا بلا استثناء على درجات متفاوتة، منفصلين بالهاتف عن واقعنا ونشعر بأننا في حالة من الخدر طوال الوقت، أجسادنا ساكنة ولكن عقولنا مشتتة وفيها ألف فكرة! وما يجعلني أتعجب حقًا هو كيف أصبحنا اليوم نحاول الهروب منه بالعودة إلى حياتنا حقًا، بالرغم من أن الواقع اليوم يجبرك عليه و لا يساعدك على الإستغناء عنه، إذ أن جلّ معاملاتك تتم عن طريقة، من رسائل و مكالمات وغيرها مما يأثر في سير الحياة اليومية، فيجد الإنسان نفسه حتى و إن رغب بالبقاء بعيد عنه لفترة ملزم بالتمسك فيه للحد الذي ينتابه القلق عند الابتعاد عنه خوفًا من فوات أمر مهم عليه!
شخصيًا أعيش يومي في الحياة الواقعية بسلام وهدوء مستمر حتى اللحظة التي أقرر اللجوء فيها إلى الهاتف بشكل قهري خوفًا من أن تأتيني رسالة أو مكالمة مهمة، ناهيك عن أن الهدوء يعم المكان إلا أنني في النهاية أجد نفسي حيث تعصف بي الحياة في خلال لحظات قصيرة لأجد أخبارًا صعبة الهضم، و آراء قاسية عن اخرين لن أقابلهم في حياتي ولا لمرة واحدة! وهذا الشيء يجعلني أشعر بالتوتر، بالإحباط وبالقلق بدون سبب محدد! و أستشعر جسدي شيئًا فشيئًا يتصلب ويتجمد! وكيف لا يفعل و أنا أعرضه لمحتوى مضحك، و آخر محزن، في آنٍ واحد! وكيف لا يتعب جسدي و تضمر روحي بهذا كله؟
و أدرك أن جزء كبير من المحتوى الذي يُعرض علينا اليوم ليس باختيارنا بشكل كبير فالخوارزمية أصبحت تختار عنك وتنتقي وهذا لوحده يجعل استهلاكنا للأجهزة يطول والساعات تمضي في حيرة وتشتت بين أنواع المحتوى المتعددة. والأمر كما لو كنت ذاهب للتسوق فأنت سابقًا تذهب لبائع محدد تألفه وتعرف بضاعته و تأخذ حاجيتك وترحل، أما اليوم أنت معرّض لخيارات عدّة لا متناهية كلٌ يعرض عليك بضاعته وأنت تنجذب لهذا وذاك وكأنك يوميًا في سوق لا تعرف للخروج منه سبيل.
لم يقتصر إدمان الهاتف على تشتيت عقلي فقط بل لاحظت تأثيرات متعددة في نواحي الحياة، خضت في هذا الموضوع مع أحد الأشخاص المقربين و جلسنا نتبادل أطراف الحديث معددين فيها تأثير الإدمان علينا وعلى المحيطين بنا وتنبهت من خلال هذا الحديث على نقطة مهمة وهي تأثيره على العلاقات الانسانية، و أقتبس من كلام (ر ،٢٣ عامًا)
“قيمة العلاقات صارت اليوم مرتبطة في هل نحن نتابع بعضنا على منصة الانستقرام أو بيننا “ستريك” في السناب تشات والكثير، إذا العكس فإحنا مو قريبين من بعضنا كفاية، بالرغم من أننا في الواقع نشوف بعض باستمرار. وفي حالة ألغيت متابعتي لشخص معين فهذا تعريف أن العلاقة انتهت.”
وهذه النقطة أخذتني بالتفكير إلى ماهية التغيير الذي طرأ على العلاقات مؤخرًا، ليس فقط من ناحية متابعة الأشخاص الذين نعرفهم أو لا، ولكن حتى مدى تأثر الأحاديث والأخبار التي نتداولها في مجالسنا و كيف أصبحت لا تخرج عن نطاق الهاتف، كأن الأمر لم يقتصر على هذا الأخير أو العالم الافتراضي، ولكن بدأ يزحف ويتمكن من حياتنا الواقعية بشكل كبير جدًا، فالشخص المنفصل عن هذه الأخبار ويحاول تجاهلها عمدًا للحفاظ على سلامة عقله وروحه يكتشف أن الحديث مستمر عنها من خلال الناس في حياته.
بالطبع لا مناص لنا من الحديث عن تأثير الإدمان على جانب الإنسان الإبداعي، إذ صارت الأعمال الفنية الإبداعية في كل مكان وسهل الوصول لها مما شكل للانسان المبدع نوع من التخمة أسميه التخمة الفنية، فمع كثرة تعرضك للأعمال الفنية بشكل كبير يفوق تحملك، يصبح لديك صعوبة في الإبداع والقيام بأعمال فنية من إبداعك الخاص، ناهيك عن وضعك نفسك تحت ضغط المثالية، والمسألة بسيطة، أنت تتأمل عمل إنسان مبدع > أنت تضع نفسك تحت ضغط صنع شيء يضاهيه في الإبداع (متجاهلًا قدراتك الحالية، وفكرت أن المبدع قضى وقت طويل في صنع ما تراه اليوم) > أنت تتعب ذهنيًا من هذه الحلقة المستمرة فتقرر أن تترك مسافة كبيرة بينك وبين الإبداع لفترة حتى تستعيد عافيتك وتسترد رغبتك بالإبداع، تمضي الأيام وتنسى جانبك الإبداعي، لكن لا تنفك من الإحساس بأن شيء ناقص، أو لعلك نسيت نفسك وجوهرك الحقيقي.
و لذلك بدءًا من العام الحاليّ عاهدت نفسي أن أقلل من استهلاكي للهاتف الذكي. أن أكون رقيبة على ما يستهلك طاقتي، وأن أحصر استخدامي على تطبيقات محددة جدًا، وهذا دافعي لكتابة هذه المقالة إذ نويت أن أشجع نفسي و أشجعك قارئي العزيز، فاليوم سأشارك وسائل ساعدتني على التخفيف من استخدامه، إلى درجة أنني وصلت لمرحلة نسيت أني يومًا أدمنت استهلاك الهاتف الذكي! وهذا الأمر بحد ذاته عجيب بالنسبة لي! أولًا لأنه لم يكن بالصعوبة التي يصفها البعض! باعتقادي أنه في غاية السهولة ويتطلب حضور و إصرار فقط، في حالتي ما كان استخدامه قهريًا بشكل مزعج أصبح أمر مستنكر وغير مألوف تمامًا!
من الممارسات التي أعانتني على تخفيف إدماني للهاتف وتطبيقات التواصل الاجتماعي، هي مراقبة نفسي أولًا محاولة لمعرفة الحلقة الأضعف و تحديدها، وفي هذا السياق فأنا ممن وقعوا في فخ تطبيق (تويتر) إلى درجة أني نت أقضي ساعات طويلة عليه بدون فائدة تذكر، ولو أسأل نفسي أن تستخرج أمر أضاف لي شيء خلال الساعات التي دخلت وخرجت فيها على الأغلب لن أستطيع تسمية أمر واحد! لذلك قررت بدون مقدمات أني أمحوه من جهازي تمامًا، و ستفاجئ حينما تدرك أن حذف أكثر تطبيق تستهلكه سيقلل ساعات استخدامك للجوال بشكل ملحوظ، لأنه لم يعد مايجذبك له بشكل غريزي وقهري كل خمس دقائق! ولن تصدقني حين أقول لك أن هذه الخطوة منافعها لا تعد ولا تحصى والشعور بها فوري جدًا، فعقلي أصبح أكثر هدوءًا، و استعدت تركيزي.
و بعد أن حددت مصدر الإدمان وتخلصت منه، قررت أن أضيف عادات جديدة في يومي بحيث أنها تملأ الساعات التي قضيتها سابقًا في التصفح الجائر. وبديلًا عن ذلك عزمت التركيز على مهام أرغب حقًا بفعلها ومن شأنها أن تساعدني في تحقيق أهداف وضعتها مسبقًا.
أما من ناحية إستهلاك المحتوى القصير والمتعدد، استبدلته بمتابعة محتوى مرئي ومسموع مثل الوثائقيات، الأفلام، بالإضافة إلى مقاطع متنوعة على منصة اليوتيوب تتراوح مدتها بين ٢٠دقيقة إلى ساعة وأكثر.


عاهدت نفسي بالطبع أن أعود لممارسة الهوايات التي أروح بها عن نفسي، مثل طبخ وصفات جديدة، اكتشاف ألبومات موسيقية رائعة، وشعراء جدد عن طريق موقع الديوان، أو حتى تلك التي اعتدت على ممارستها في الطفولة، وفقدت لذتها مع الهواتف الذكية، في حالتي هي الرسم، دفاتر التلوين، وحل الكلمات المتقاطعة، وصنع أعمال فنية متنوعة!


عد لنفسك الحقيقية، اجلس معها وفتش في ثناياها، احضر قلم و ورقة واكتب لا لغاية محددة فقط اكتب، و صدقني ما ان تبدأ سيتضح لك باقي الطريق. مارس ما كنت تستثقله لصعوبته أو لطول مدة إنجازه، اختر مهام معقدة تتطلب منك التفكير الطويل والخروج من منطقة الراحة وما اعتدت عليه من سرعة و تشتت. اخرج للمشي لساعات، اطعم القطط والطيور وتأمل الحياة والهدوء من حولك، واترك نفسك تتحرر من هذه القضبان الغير مرئية.
و أهم ما يجعلك حقًا تستمر هو التوازن، فإدمان الهاتف كأي عادة سيئة أخرى، إن بالغت وتطرفت في حرمان نفسك منها، تأكد أنه لا مناص لك من الانتكاسة.
في النهاية كان هذا نقلًا لتجربة شخصية، و مؤمنة أن الكثير منّا يشاركني نفس المسار ربما نكون في مراحل مختلفة من هذه الرحلة، و أؤمن أيضًا أننا ما خُلقنا للتعرض لهذه الكمية من التوتر والقلق والمشاعر المتذبذبة في آنٍ واحد! و أننا يومًا سنصل للحد المسموح من هذا الاستهلاك الغريب! و لعل أمهاتنا كنّ محقات عندما قلن أن جلّ أسباب مشاكلنا هي من هذه القطعة المعدنية الغريبة!




رائع احببت المقالة جداً لان نتشارك نفس الأشياء واشعر ان الهاتف يسرق مني ومن وقتي .
سبحان الله جاءت الي هذه المقالة بعد ما قررت التقليل من استخدام بعض تطبيقات الهاتف ههه شكرا مقالة مفيدة