"وبالرغم من كل شيء أحبُّ الحياة !"
في عصر يوم شتوي تثاقلت علي مشاعري و أفكاري و شعرت أنني أغرق في بركة من السموم. قررت كعادتي أن أنفض عن جسدي غباره و أن أذهب إلى حديقة الحي، لتغيير المحيط بي. لعلّ نفسي تتحسن. خرجت أمشي لدقائق، و جلست على مقعد خشبي خلفي شجرة خضراء تغطيني، وأمامي أطفال منغمسون في اللعب والسعادة تعلو على وجوههم، و أخذت أتأمل منظرهم و أنا ممسكة لحبة يوسفي في يديّ، شرعت في تقشيرها و أكلها حبة تلي الأخرى و أنا أتأمل الحياة أمامي. خلال بضعة ثوانٍ شعرت بالسكون يملأ روحي والأفكار التي عانيت معها آنفًا، والمخاوف التي تطفح لتغطي كياني تلاشت، و أصبحت أكثر هدوءًا. من خلال هذا الموقف استشعرت أمر جوهري ألا وهو ضرورة الرجوع للحياة لاستشعارها. و أعني بكلامي هذا أن تتأمل الكون من حولك لتذكر نفسك أنك على ما يرام، و أن مخاوفك و أفكارك هي مادة تكمن في عقلك، لا في واقعك.
أعلم أن كلًا منّا يملك مخاوف وصعوبات، و أؤمن أن جزء من معنى الحياة هو خوضك هذه المصاعب، بالطبع أعلم أن هذه الأخيرة تختلف في حدتها و إدراك حجم صعوبتها وقسوتها من شخص لآخر. ولكن أشعر بأننا جميعًا نتفق في شعورنا بأن الحياة ازدادت صعوبة، بل إننا برأيي نعيش اليوم عصر صعب ليس من الناحية المادية والجسدية كمتن سبقونا، إنما من الناحية النفسية والوجودية. فالخيارات جميعها متاحة بدون أدنى رغبة لها، والمرء يجد نفسه حامل لشهادة علمية يظن أنها كافية و يرتطم بجدار الواقع المتسارع بشكل جنوني يصعب على العقل البشري اللحاق به ناهيك عن استيعابه، و الاخرين الذين يخبرونه أن عليه التوسيع من خياراته، و الحصول على خبرات أكثر! وهكذا يتلاشى حلم الانسان وطموحه الذي سعى لأجله، ويبدأ من جديد في صراع البحث واللحاق بالركب قبل أن تتبدل موجة الحياة بمتطلباتها مرة أخرى!
إضافةً إلى ذلك يجد المرء نفسه تحت ضغوط اجتماعية كثيرة، ويكون هو مجبر على اختيار مسار وحيد ومحدد له ليمشي عليه مدى حياته، وكم من الناس حولنا اختاروا خيارات لم تكن لهم حقًا وخاضوا في مسارات لم تشبه أرواحهم بفعل الضغوط الاجتماعية والرضوخ لها، ليستيقظ الواحد منهم في نهار عشوائي و يقرر أنه يكتفي من هذا العبث كلّه ويبدأ بالسعي لحياته هو، وهذا في حال كان محظوظ وله من الوعي مايكفيه للاقدام بخطوة جريئة كهذه، والأغلب تمضي حياتهم بعكس ذلك. والكثير من هذه الأمثلة التي تمضي على كل واحد منّا بشكل متفاوت، مما يسبب للانسان تعب عقلي ونفسي.
وفي هذا السياق فكرت وتأملت، لكوني إنسانة معاصرة لابد لي من أن أخوض هذه الصعوبات بدوري و أن أواجهها واحدة تلو الأخرى. واستشعرت أنني وفي خضم هذه الحرب الحياتية كان لابد لي من أن أتوقف و أن أتأمل الحياة من حولي والسكون بعيدًا عن ضجيج عقلي، أن أتأمل لعب الأطفال وهم خالين من الهموم كما فعلت و أنا أتناول حبة اليوسفي، و أن تكون دائرة الامتنان في قلبي وعقلي أكبر من غيرها، أمتن لكوني على قيد الحياة، و أن أون شاكرة بالرغم من الصعوبات التي تعصف بي. و لم أكتفي بذلك فقط وقررت طرح سؤال على بعض الأصدقاء والمقربين لرغبتي في معرفة منظورهم للحياة و التعمق في شخصياتهم و أفكارهم، وقررت أن أتخذ هذه المساحة لمشاركتها معكم!
كان سؤالي هو : بالرغم من الصعوبات اللي نعيشها اليوم ماهي الأمور التي تشعرك بأنك على قيد الحياة وبالامتنان لكونك كذلك؟
و تلقيت أجوبة تنوعة ومختلفة استشعرت معها نواحٍ عدة في الحياة و جوانب كثيرة لم يسبق لي التفكر بها، أو غفلت عنها ولم أعطيها حقها.
تقول (ن) : المشي بمكان مفتوح، تمشيط شعري، ارتداء ملابس واسعة وحنونة، الخَبز و تصوير الأشجار، الغروب، البحر ،الروايات والكتب عمومًا تدوين اليوميات، لما أحط ماسك بوجهي، الاستحمام بعد نهاية دوام الخميس، الـcoding بدون ضغط خارجية.
و حقيقةً مع قرائتي للقائمة استشعرت الهدوء والسكينة في جوانب كانت بالنسبة لي هامشية كفعل تمشيط الشعر، لم أتوقف يومًا لأتأمله و أعتقد أنني سأفعل بعد كتابتي هذه.
أما (ش) تقول : بصراحة أشياء عديدة تجعلني أشعر بالحياة فعلًا عديدة على إني إنسانة لا تصنف حياتها بحياة جيدة، ولكن أكثر جزء يخليني ممنونة إني على قيد الحياة ربما الرفقة؟
وكذلك من جوانب أخرى أحيانًا أكون فعلًا ممنونة إني على قيد الحياة لما أنتهي من فيلم أو من كتاب أو من الاستماع إلى أغنية ، بطريقة ما أنا فعلًا ممنونة للفن
ولكن أكثر شيء يخليني أشعر بالحياة و أكون إني ممنونة إني قاعدة أعيش فعلًا هي الطبيعة إللي أشوفها يوميًا.
و في هذه الكلمات دعوة لتأمل الطبيعة من حولنا، والمناظر التي اعتدنا على وجودها و ألفتها قلوبنا، شجرة، جبل، غيمة، و طير رنّان.
و تجاوب ياسمينة بقولها :
وجود الأصدقاء
شيء اساسي بالنسبة لي
لولا الله ثم الأصدقاء لشعرت إن العالم تعيس تعاسة ما اقدر اصلحه فيها
وهنا أستشعر أهمية الرفقة، أن يكون للإنسان شخص لا تجمعه رابطة دموية إنما قلوب تلاقت و أرواح ألفت بعضها، والعون الكبير الذي يمده الاصدقاء لأرواحنا عند مواجهة صعوبات الحياة، أحاديثنا العابرة، الهامشية أحيانًا، لحظات نقضيها سويةً نضحك ونتبادل أطراف الحديث وننسى للحظات ماكان همًا على قلوبنا.
أما قرمز يقول : البحر ، احس كل ما اجلس عنده و اشوف ممتد على بعد النظر يذكرني قد ايش مشاكلنا صغيرة مقارنة بالعالم، احس كلشي بيعدي و اذا ما عدى بيضيع او يغرق بالبحر و ننساه، يعني عادي مو مهم وش يصير.
هذه اللحظة بالذات استشعر أهمية أن تسكن في مكان مجاور للبحر، تتأمل عظمته و روعة أمواجه وتنسى همومك، و أحيانًا أخرى تحكي له همومك و يسحبها مع مده وجزره.
أما (نوره) فتقول: ربما تجدون في اجابتي شيء من الابتذال ولكن صدقوني اني قلت لكم إنه الحب هو مايبقيني حيّة.
عندما استشعر حالة الحب التي أحيا بها تتدفق في قلبي الحياة وأشعر بأني قادرة على مواجهة هذا العالم بقلب محب وشجاع . الحب محرك سحري يرينا كم كل شيء هيّن بوجود من نحب معنا…
—> إيجاد معنى للحياة التي نحياها.. هذا ما قرأته وأثار اهتمامي في كتاب (الانسان والبحث عن المعنى).
و أعتقد أني وبصدق أفهم هذه الكلمات جيدًا، فالحب شيء أساسي في حياتنا، ومن سيلاحظ أن كل ما نذكره من أمور تعيننا على عيش الحياة هي نابعة من الحب والحب وحده. فالحب ينقذ الانسان من نفسه، من افكاره ومن مصاعب الحياة ومتاعبها.
سديم تجاوب : شغفي والأشياء الي احبها هي التي تواسيني في أوقات الضيق وتسعدني في أوقات الفرح.
والموسيقى عندما استمع إلى اغنيتي المفضلة أشعر ب امتنان لا نهائي بأني على قيد الحياة وأريد أن أستمر في فعل ذلك.
بالنسبة لي أيضا هي بعض اللحظات التي أشعر بها بأني حره و قراراتي الشخصية التي اقررها تجعلني أشعر بالامتنان و الرغبة في مواصلة الحياة وعدم الاكتراث ب اي شيء آخر.
أما (هـ) تقول : التطلعات والترقّب بشكل عام يجعلاني أعيش أيامي الحالية بحماسةٍ شديدة لإنها قادرة على كسر رتابة بعض الأيام. انتظاري لما هو قادم منح حياتي معنى أعمق، مهما كان بسيطًا .
أعتقد أني في لحظةٍ ما في حياتي أدركت أهمية أن يكون للمرء ما يتطلع له وينتظره إدراكًا عميقًا، و اصبحت أضع جداول و أوزع المهام و الأهداف على أيام لكي تزداد الحياة حيوية، ولكي أتطلع لأيامي القادمة بديلًا عن أعيش في لحظة من اليأس والتعب ،محاطة بأفكاري المرهقة، ناسية(أو متناسية) أن هناك مايستحق العيش لأجله ، و أن لدي ما أنتظره و أتطلع إليه في قادم الأيام.
رهف تشاركنا بالتقاطاتها الجميلة، مرفقةً كلماتها أدناه:
لما اطلع الحديقة اي حديقة كانت، اتأمل الأشجار وتخلل أشعة الشمس لها، ثم التفت للأطفال اللي يلعبون، واتأمل حقيقة ان الأطفال هذولي مايفكرون في شيء غير اللعب لا أمس ولا بكره، استيعابي للحقيقة هذي ترجعني للحاضر وأحاول اعيش لحظتي نفسهم، مليئين بالحياة وفي نفس الوقت نفوسهم ساكنة ومطمئنة.




و أخيرًا تقول الهنوف :كانت صحتي في العديد من الأوقات في وضع سيء جدًا، مؤثرة علي جسديًا و نفسيًا. لم أدرك معنى أن أكون على قيد الحياة إلا في لحظة تحسن صحتي يومًا بعد يوم، راغبةً في التشبث بالحياة أكثر و كل مايشغل تفكيري حين انتكس و أمرض؟ هو الحياة، و أنها لا تستحق هذا الكم من القسوة في تعاملنا مع الآخرين، في استنزاف أرواحنا في العمل المرهق، في القلق على ماهو مقدر ومكتوب.
كذلك الطبيعة و الفن لهما دور كبير في جعلي أتشافى من أي شعور كئيب و قاتم، محاصرة نفسي بهم كفيل بجعلي أشعر أني حية و مطمئنة حتى لو تأخر رزقي لفترة محددة و انغمست في شقاء السعي، لا شيء يمكنه إرجاعي لذاتي المتزنة بعد الله سوى تأمل الطبيعة المحيطة بي و رسم مايجول في خيالي و سماع الأغاني الكلاسيكية.
أدركت أن الامتنان و عدمه، و سهولة / صعوبة الحياة بينهما علاقة عكسية، فـ:
اذا زادت علي المصاعب و الدروس، و استقبل عقلي كل ما يحدث لي بشكل سلبي = نقص امتناني لنعمة اني على قيد الحياة
وكلما انخفضت الأصوات السلبية التي تجوب رأسي و دربت عقلي على استقبال مايحدث بحياتي من محاسن و مساوئ بشكل عقلاني ومنطقي و بعاطفة صحية = زاد امتناني.
و بالنهاية اذكّر نفسي، وأقول: نعمة تجربة الحياة على هذا الكوكب أعمق من يأسي في عدم حصولي على نعم الرفاهيات في هذا الزمن السطحي، فأنا من الأرواح المقدر لها عيش الحياة على هذه الأرض.
استشعرت في هذه الاجابة التي اخذت من صاحبتها ساعات بل أيام صدقًا وعمقًا، و كباقي الاجابات أشعر أنها كلها تتفق في كونها نابعة من تجربة و احساس صادق. وهذا مايجعلها كلمات ستبقى في داخلي عميقًا.
في الختام أشارككم أنا بدوري جزء من قصيدة شعرية لروضة الحاج، قصيدة أحبها و أرددها في سري دائمًا،
وبالرغم من كل شيء
أحب الحياة !
وأدرك نعمة أن يمنح الله
قلبي المزيد من الضوء
حتى يرى
ويمنح روحي المزيد من العزم
حتى يجدد
رغبتها في الحياة !
أحب معافرتي
كي أواصلَ صبري
تساميَّ عما كرهتُ
وصمتي
انهزامي لينتصر الآخرون
رضاي بما قسم الله لي
ويقيني
بأني على سفرٍ
ولذا
دائماً
سأحب الحياة !
لأنني دائمًا سأحب الحياة، وأُقبل عليها بكاملي، بحماستي و تطلعي لما ستقدمه لي، حتى في أحلك الظروف سأفتش عن سبب لمحبتها، وعندما أجد نفسي في براثين اليأس، سأنهض وأعاود المحاولة ، حتى عندما أبغض الحياة وتقهرني بصعوباتها، سأحاول الوصل مجددًا و أتقرب منها رغبة في المصالحة.


أحب الناس اللي عندهم عالمهم الخاص
اللي يلاحظون التفاصيل الصغيرة ويحبون أشياء يمكن محد ينتبهلها غيرهم.
الناس اللي يشاركون اهتماماتهم، وأفكارهم، والأشياء اللي تخليهم يحبون الحياة أكثر 🥹🌷
أحسهم نادرين… لأن مو كل شخص يعرف يعيش بروحه، ويخلق معنى حلو لأيامه بعيد عن التكرار والفراغ 💕
كتابتك جيدة جدا كل كلمة اسمتعت وأنا اقرءها