البيت أسود، بين الأسقام والشعر..
لطالما أحببتُ التلذذ بشعر فروغ فرخزاد، همتُ في متاهة أحرفها الساحرة و أوصافها العذبة التي اتسمت بالبلاغة والجرأة. حتى إني لازلت أتذكر بوضوح اللحظة التي لامست فيها يدايّ أعمالها الشعرية الكاملة للمرة الأولى، كم كانت السعادة تغمرني وشعرت بأنني ملكت الدنيا ومافيها.
و بالرغم من مسيرتي الممتدة كمحبة للشاعرة فروغ إلا أنني مؤخرًا قررت متابعة عملها الوحيد كمخرجة، ذلك الفيلم اليتيم الذي كنّا معه موعودون بمسيرة فنية تخط سطورها في التاريخ، حافلة لولا أن مشيئة المولى كانت نافذة بارتقاء روح شاعرتنا وفنانتنا الرائعة إلى بارئها في مطلع عقدها الثالث.
في مقالي هذا أنوي تسليط الضوء لا على فروغ بذاتها الشاعرة إنما على عملها الوثائقي العظيم في رسالته، والقصير في مدته، ألا وهو «البيت أسود» (خانه سياه است) إنتاج ١٩٦٣، والذي سافرت فروغ لأجله في خريف ١٩٦٢ إلى مدينة تبريز شمال غرب إيران، وتحديدًا إلى مستعمرة الجذام، لمدة اثني عشر يومًا بصحبة عدد بسيط من موظفين شركة الانتاج لتصوير العمل.
يذكر أن تجربة تصوير هذا الفلم لم تكن كسابقها بالنسبة لفروغ الفنانة و الإنسانة إذ أنه وبالإضافة لكونه أول عمل لها كمخرجة كان العمل الذي تبنت معه أحد أطفال ساكنو هذه المستعمرة. غادرت فروغ طهران كمخرجة للبيت أسود، و عادت إليها كمخرجة و أم.
تصور لنا فروغ في البيت الأسود الحياة في مستعمرة الجذام من خلال تسليط الضوء على مشاهد عادية لمعيشة سكّانها خلف بوابة سوداء كبيرة، تفصل بينهم وبين العالم الخارجي. يعيش المرضى فيها عزلة تامة و تصور قاصر عن الحياة بالخارج، لا لشيء، و لا لذنبٍ اقترفوه، إنما لكونهم مرضى، و أيّ مرض! مرض يشوههم ويتركهم بأطراف مبتورة تهدد حياتهم، وذلك من منظور العالم سبب كافي للعزل بل حتى للنفي!
يستفتح الفيلم بالجملة الآتية : « ما من شح في بشاعة العالم. لو أغمض الإنسان عينيه تجاهها، ستتكاثر. لكن الإنسان حلّال مشاكل. على هذه الشاشة ستعرض صور للبشاعة. معاينة للألم لا ينبغي للإنسان المهتم أن يتجاهلها. محو هذه البشاعة والتخفيف عن الضحايا هما دافع هذا الفيلم و أمل صُناعه» متبوعة بمشهد لفتاة لا يظهر من وجهها إلا عيناها الملأى بالتشوهات نتيجة الجذام، تحرص الفتاة على أن لا يظهر من وجهها شيء، بالرغم من أن الغرفة لم يكن فيها أحد إلا هي وحدها! يطول المشهد في صمت عميق والفتاة تتأمل انعكاس وجهها في المرآة بصمت، حتى أنه يتراءى للمشاهد أنها ثملة في جمالها الخاص!..
تأخذنا فروغ مع مشاهد الحياة اليومية العاديّة والمكررة في ظاهرها، بين الصلاة، واللعب، والمدرسة، والفرح، والحزن، إلا أنها ليس كذلك حقًا! فالناس محور هذا العمل هم أناس منفيون، منبوذون، ولا أحد حقًا يقوى على النظر إليهم! يتم تصوير التشوهات التي تملأ أجسادهم بكل جرأة، بدون تزييف، أو حتى تجاهل. بدون لفت نظر وبدون تسليط الأضواء بطريقة مزيفة، من خلالها تجبر فروغ المشاهد على عيش تلك التجربة المتناقضة بشكل منفرّ بأصوات غريبة و مشاهد قاسية، ولكن يبقى شعرها حاضرًا فيها بشكل أساسي ــ وذلك ليس مستغربًا على رائدة الشعر الحداثي الإيراني ــ كأداة سردية بصوتها العذب الذي يكسوه الحزن، حزن المنظر، حزن الاحساس، وحزن الانسان الناتج عن ادراكه للموت وهو يقترب منه. تصور لنا فروغ مرضى الجذام بمناظر تدمي القلب و الروح، لصغيرهم وكبيرهم. و بين هذا وذاك تجد الاحتفال والعرس حاضر وضحكات الاطفال تصدح، كأنها دلالة وتأكيد على قدرة الانسان في عيش الحياة والاستمرارية رغم قسوة الظروف، وأدرك أن هذه المقاربة ربما تكون مجحفة كون الطرف الآخر هم مرضى الجذام، ولكن شخصيًا هذا ما استنتجته من خلال تأملي لساكني المستعمرة، وهم يفتشون عن مناظر الحياة في ابسط تفاصيلها. وهم يعيشون الحياة مع إدراك عميق بأنها مستمرة، بأفضل الظروف وأصعبها.
ترحل عنّا فروغ و تترك وراءها إرث من الشعر وبصمة تاريخية سنتذكرها ونحتفي بها حتى بعد مرور ستين سنة. ينتهي العمل بالمشهد الحواري الوحيد بين الاستاذ وطلابه:
« “لماذا علينا أن نشكر الله على وجود أم وأب؟“ يسأل المعلم بملامح صارمة ونبرة قاسية مجموعة طلّاب مشوهين : “أنت، أجبني.”
فتى، في السابعة من عمره تقريبا، بملامح حزينة يتلعثم بإحراج:
“لا أعرف… لا أملك أبًا و أمًا.”
يسأل المعلم فتىً آخر، دون أن يرف له جفن:
“أنت الآن، سمِّ لنا بضعة أشياء جميلة.”
يجيب الفتى بإشراق والإبتسامة الخجولة تعلو ملامحه “القمر… الشمس… الزهرة... اللعبة“
“أنت الآن،“ ينتقل المعلم إلى تلميذ آخر، “سمِّ بعض الأشياء القبيحة“
يجاوب الفتى البريء بإجابة غريبة، “قدم… رأس…“
بعد نهاية المشهد الحواري الوحيد في الفيلم، شعرت شخصيًا بالحزن الشديد والصدمة في آنٍ معًا، إذ أن الأطفال الذي يفترض انهم يعيشوا طفولة مليئة بالبراءة والأمل، والابتسامات المشرقة، يملكون فكرًا مظلمًا وقاسي مقارنة بأعمارهم! فقط لأن التشوهات تغطي أجسادهم، حُكم عليهم بالعزل الأبدي، بل بالنفيّ من الحياة، حتى أن تعريفهم للقبح لم يتعدى واقعهم، أقدامهم، أيديهم و أرجلهم وهم أنفسهم.
والأمر بحد ذاته دفعني لمراجعة ذاتي، وأؤمن أن من تابع العمل يشاركني الفكرة حقًا، إذ تتأمل و تتفكر في ماهية القبح فعلًا؟ و هل هو أمر مادي ملموس أم معنويًا محسوس؟ وهل نحنُ خالون من الأحكام بدورنا؟ هل نحن نتشارك يدًا بيدًا مع العالم في هذه الجريمة؟ هل قبح المنظر هو القبح الحقيقي أم أن العالم الذي ينبذ المختلفين عمّا يألفه ويروج له هو القبيح حقًا؟ و أخيرًا هل نحن بمعزل عن هذه الأحكام؟ سواءًا كنّا مختلفين في خارجنا أم داخلنا، ألسنا نحن اليوم نتعرض لنوع من الإقصاء أيضًا؟
هذه بعض التساؤلات التي وقفت عليها بعد متابعتي لهذا العمل الفني المهم جدًا، و أترك نفسي والقارئ في محاولة متواضع للبحث عن الإجابات، مع أمل كبير أن تكون هناك إجابات حقًا.



هل للشاعر اعمال مترجمة