أنا هنا والآن!
عن الحضور في اللحظة.
تمرُّ بنا في الحياة، أيامٌ عصيبة على الروح أو الجسد، وأحيانًا كلاهما في الآن نفسه. و كبشر المعاناة تكون جزء من كينونتنا. شخصيًا مرّت بي أيام صعبة، كنت أجابه فيها قلق الروح و ألم الجسد. و بطبيعة القلق، فهو يضخّم كل فكرة أو مؤشر خطر يواجهك، و تجد نفسك ترسم ألف سيناريو مستقبلي، و تجتر في ألف فكرة مرعبة. و لكي أصدقك القول عشت أيامًا بل أشهر في هذه الأزمة حتى شعرت أني أغرق و من عمق الهوّة السحيقة التي وجدت نفسي فيها، كان يتخيل لي أنه لا يوجد للخروج سبيل!
ومن يعيش هذه التجربة أو ما يشابهها، يدرك أنها تسلبك حرية الاستمتاع بلحظاتك الحاضرة، بحيث تكون أسيرًا للقلق و موجاته، تحاول فقط النجاة كل مرة. وهكذا تمضي بك الأيام ولا تعرف هل عشتها حقًا؟ و كيف قضيت يومًا بعد يوم ورأسك يغزوه تفكيرك المفرط، و هلعك المستمر. و المعروف أن الشعور بهذه المشاعر والتفكير بهذه الأفكار على مدى طويل، لا يجني منه الإنسان إلا الإحساس المستمر بالإحباط، وندمه على فوات الفرص التي ضاعت منه وهو يعيش حبيسًا للقلق.
سأستعرض في مقالي هذا وبكل تواضع، تجربتي الشخصية في التعامل مع القلق، ومحاولات عيش اللحظة الحاضرة. و أتذكر بوضوح المرة الأولى التي عرفت فيها أن هناك شعارًا لعيش الحظة “أنا هنا والآن، وذلك مايهمُ حقًا” عن طريق المصادفة من خلال كاتبة كنت أتابعها على منصة التويتر بإسم (قهوة). و أتذكر شعور الدهشة التي أحسست بها، إذ كان ذلك الشعار رنّانًا حقًا، ورقيقًا. و لاحقًا ستكون هي جملتي المفضلة والتي أرددها دائمًا — حتى هذه اللحظة التي أكتب فيها مقالي هذا، كلما شعرت بنفسي تنجرف مع القلق أو تصيب عقلي فوضى أفكاري، أرددها في نفسي.
أدرك أن عيش اللحظة مفهوم صعب تطبيقه على أرض الواقع، خصوصًا في عالمنا اليوم. عالم سريع للغاية لا يعطي الإنسان مجال للتأني وتأمل الحياة من حوله، و مفروض عليك أن تضع أهداف و خطط للخمس سنوات القادمة، والعشر، والعشرون وهلّم جرًا… وهذا بالضبط ما يتعارض مع مفهوم عيشنا للحظة، فنحن بطبيعتنا القلقة والمتوترة، نستمر بالتفكير في أخطاء الماضي وتأنيب أنفسنا عليها بقسوة، والتحسر على فرص ضاعت و أشخاص مضو في طريقهم. وفي الجهة المقابلة ننغمس في التخطيط للمستقبل بحيث ننسى أنه عبارة عن إحتمالية، و أن الشيء الحقيقي والملموس بيدنا الآن هو لحظتنا الحاضرة!
يقول ماركوس أوريليوس في كتابه -التأملات- :
“ اللحظة الحاضرة هي مُلكُك النهائي ، اقبض على اللحظة ، أطياف الماضي وهواجس المستقبل تجتمع على التهام الحاضر الذي لا نملك سواه .”
لا يوجد لدينا أهم من اللحظة الحاضرة، التي نعشها هنا والآن. أحب أن أذكر نفسي بذلك باستمرار بحيث أنى أثمنها أكثر إما من خلال تدوين يومياتي، مشاعري و أفكاري عن ما أعيشه اليوم. أو حتى بالتقاط الصور والمقاطع، و أحيان كثيرة بكلاهما معًا. و أشعر بالرضا الشديد بقيامي بذلك، فأنا أستشعر تجاربي و مواقفي أكثر، ولا أدعها تمضي دون الوقوف عليها ( نتيجة ذلك غالبًا موجات حنين شديدة بين الحين والآخر).
فكرّت اليوم في ماهية الأمور التي تعين الإنسان على تثمين الحاضر، والعيش فيه بانغماس تام دون الإنصراف لغيره؟ توصلّت وبناءًا على تجاربي وملاحظاتي، إلى أن أي نشاط يقوم به الإنسان من شأنه أن يساعده في التركيز على اللحظة الحاضرة، حتى لو كان الفعل في ذاته بسيط أو مكرر، كالقراءة و حلّ الأحجيات! و أعني بذلك أن السحر العجيب في هذه الممارسات ليست بأنها خارقة للعادة و غير مألوفة! العكس تمامًا.
أبرز الطرق التي تعينني هي الامتنان، من خلال استحضار النعم والأحداث الجميلة في يومي، إما بتعدادها في عقلي أو من خلال كتابتها في دفتر خاص بالامتنان. وهذه الطريق اعتبرها آداة سحرية تأخذ بي إلى حالة شعورية جميلة للغاية، فأنا مع الامتنان أكون أكثر استقرارًا ورضا. من خلال توجيه تفكيري ناحية الاشياء الجميلة في حياتي وتعويد عقلي على التركيز على الجيد لا على السلبي. و أحب أن أعود للقوائم بين فترة والأخرى واجدد شعوري بالامتنان.
أيضًا من الطرق التي ساعدتني على الحضور، هي ممارسة التنفس العميق. وهذه الأخيرة بالنسبة لي أساس في يومي فأضع لها أوقات محددة، خصوصًا عند الاستيقاظ، وماقبل النوم، ودبر كل صلاة. ولمن أراد أن يبدأ رحلته مع تمارين التنفس العميق فأنصحك بالتوجه لليوتيوب فهناك تمارين كثيرة اختر منها ما يناسبك.
و ذكرت سابقًا النشاطات البسيطة، و طرحت القراءة كمثال، و أضيف عليها الرسم، المشي، وحتى اللعب مع الأطفال، كل هذه هي نشاطات لا تحتاج منك التفكير العميق فقط حضورك التام واستشعارك بوجودك في هذه اللحظة. أيضًا تمرين مهم لتقوية الحضور من خلال حواسك، السمع، بحيث تسمع كل الأصوات من حولك وتسميها إن أمك. والنظر، بأن ترى محيطك بتمعن وتسمي منه ٣-٥ أشياء بارزة. والشم، استشعار الروائح من حولك، و إن استطعت أن تلمس الأسطح فهي إضافة جيدة.
طبيعة الانسان القلق أن ينسى نفسه، ينسى حياته، ومحيطه. و أدرك أنه تحدي ليس باليسير وأن تنمية مهارة الحضور في اللحظة لدينا مهمة شاقة وليست باليسيرة. فأنى للنفس التي اعتادت القلق كنظام حياة، أن تودعه بسهولة؟ ولكن كأي شيء في الحياة حتى القلق له نقطة نهاية، ومهما بعدت المسافة باستمرارنا على طريق الحضور وعيش اللحظة سنصل لا محالة.
عسى أن ترتاح أرواحنا وأن نعيش أيامًا خالية من القلق، أيام ننغمس فيها في حاضرنا. لا يفض مضجعنا الندم ولا يقلقنا توتر المستقبل.
شذى


واااااو! ما شاء الله ابداع اقسم بالله
الله استمعت وانا اقرأ الكلام لأن موضوع الانغماس بالحاضر يهمنّي وأسعى اني أوصل للمرحله ذي، شكرا لك🙏🏼