صحتنا النفسية في رمضان
يأتينا الضيف العزيز رمضان كل سنة، و تأتي معه الرغبة الكبيرة بالإنجاز و بجعله صفحة نظيفة مثالية لا يشوبها شائبة. أطرح على نفسي سؤالًا قبل هذا الشهر كل سنة ( كيف أحقق أهدافي في كل جوانب الحياة خلال فترة قصيرة؟ وكيف أنجز أكبر عدد من المهام خلال ٢٤ ساعة؟). في أحيان كثيرة أشعر بأنني أحمّل رمضان فوق طاقته، و ربما يتفق معي بعض قرّائي الأعزاء في ذلك. فبقدر ما هو شهر نترقب له طوال الأشهر الــ١١ بقدر ما تكبر رغبتي في الإنجاز فيه تتسع. وقبل بداية كل رمضان أضع أهداف حياتية كثيرة، منها عدد كبير من ختمات القرآن، الرياضة لمدة ساعة على الأقل يوميًا، و أقرأ ٣ كتب و. أقضي وقت مع العائلة، و وقت للعمل والهوايات والكثير.. وكل هذا معقول إن كان على المدى البعيد، ولكن خلال شهر؟ ومع الصيام وحدوث تغيرات جسدية ونفسية؟ لابد أن يكون الأمر صعب. و لسنوات عدة وجدت نفسي لاهثة في رمضان تذهب أيامي دون استشعار لروحانيته، أركض جريًا خلف أهدافي الغير واقعية التي وضعتها بداية الشهر. وهذا الركض وراء الأهداف بات يصيبني بالتشتت والتوتر النفسي، ومحاولاتي في تحقيقها بصورة مثالية تبوء بالفشل فأجد نفسي في مواجهة مع الشعور بالإحباط والضيقة… وفي سلسلة من تأنيب الضمير. وهكذا يمر الشهر دون الشعور بالراحة فعليًا، و دون استشعار لروحانيته. كأني في ماراثون جري ولماذا بالضبط؟ لا علم لدي حقًا!..
ولذلك قررت أن أطوي هذه الصفحة المرهقة، و أفتح واحدة جديدة عاقدة العزم على إصلاح علاقتي مع شهري المفضل والعزيز على قلبي جدًا و أن أعوض عمّا فات. فقررت التركيز على الكيف لا الكم، على القيمة التي تحملها أهدافي فعلًا وليس بعددها الكثير والمبهر، بل بعائدها عليّ شخصيًا أنا شذى وكيف تساهم في جعلي شخص أفضل من الأمس.
قللّت عدد ختمات القرآن، بما يناسب مع قدراتي لرقم معقول، وجعلت الهدف هو التركيز على تدبر الأيات وحضوري لاستشعار معانيها. و أن تكون جلسة وردي اليومي شيء أذهب لفعله بحماسة و فقرة يومية أتطلّع لها و أنتظر قدومها. وبالمقابل أيضًا أكثرت من الذكر و الدعاء متحرية أوقات الاستجابة، إضافةً إلى حرصي على الأذكار في أوقاتها. أما من الناحية الجسدية فهدفي هو أن أعيش أيامي بنشاط، بأن أمشي يوميًا لمدة كافية ومعقولة، و أن أحرص كل الحرص على أن يكون غذائي متنوع وصحي وليس فيه اسراف بحيث لا يأثر على نفسي وجسدي من ناحية الكسل والخمول المصاحبان للتخمة. أما عن القراءة فحددت فترة من اليوم تكون مخصصة لقراءة ما تشتهيه نفسي من كتب متنوعة، أو مقالات دون تحديد توجه معين، بحيث تكون هذه العادة متنفس لي وفاصل في يومي المزدحم تشحني طاقة لأعود لباقي أنشطتي.
حرصت أن أعيش أيامي في رمضان بطريقة مريحة، باتباع أساليب و طقوس من خلالها استشعر عيشي لهذا الشهر الفضيل.

ونقطة مهم استلهمتها و أدركتها من خلال قراءتي لهذه التغريدة التي ظهرت لي بالصدفة في نفس الفترة التي كنت أفكر فيها بموضوع هذه المقالة، ألا وهي أن كل واحد منّا يواجه صعوباته منها النفسي، والجسدي، والاجتماعي.. إلى آخره. نشعر جميعًا برغبة أن يكون رمضاننا مثالي ١٠٠٪ ولا يشوبه شائبة بالرغم من كل الظروف التي نواجهها، وهذا شيء غير معقول وهو نوع من أنواع الضغط النفسي الذي نضع أنفسنا تحت وطأته.
و لأن الحياة مستمرة، ولا أحد منّا يملك ضمانة على أن صعوباتها ستتوقف فجأة بشكل استثنائي لأن رمضان أتى! و هذا أمر طبيعي وسنة من سنن الحياة، فلا يرهق روحك أن يكون رمضانك فيه نواقص وشوائب، محاولاتك بحد ذاتها تكفيك! جهدك الذي تبذله يوميًا لجعل هذا الشهر مختلف عن سابقه، و أمنيتي الصادقة أن تكون حياتنا في زخم من المشاعر الطيبة، الانجازات التي نفخر بها و تأخذنا بخطوات للأمام في حياتنا، ليس فقط في رمضان بل في كل شهور السنة!
*ملاحظة: أعلم أنني أنشر هذا المقال ونحن بالفعل وصلنا ١٩ رمضان، ولكن لا بأس بالتأخير أحيانًا، أؤمن أن الوقت لم يتأخر، و أنه مازال في رمضان بقية.. عسى أن يكون الربع الأخير منه لطيف، ويحمل نسمات خير وبركة علينا جميعًا و في أمن وسلام على أوطاننا العربية.


مقال جميل جدا
بارك الله فيك
مقال رائع، سلمت أناملك عزيزتي.🤍✨