قطار لم اشترِ تذكرته!
مقال قصير عن المفهوم الاجتماعي الذي ينص على أن للحياة قطار يجب على الجميع الركوب على متنه، من دراسة وظيفة زواج أطفال أحفاد.
مر علي الليلة تساؤل شخص عشوائي يفكر في أصل فكرة أنه لابد للانسان أن يكون على متن قطار الحياة ومن اخترعها؟
تساءلت بدوري عن هذا المفهوم المنتشر انتشار واسع كالنار في الهشيم، و بشكل صامت، كأنه مفهوم متفق عليه بدون أن يتكلم عنه أحدهم بصوت مسموع. أتذكر الكلمة الشهيرة التي يرددها المجتمع للمرأة المقبلة على الزواج "بعبارات مثل— “قطار الزواج وصل” و من تعدت السن المسموح اجتماعيًا “قطار الزواج فاتها” متبوعة بنظرات شفقة و نبرات حزينة.
و لا أعلم حقًا عند أي نقطة اتسع هذا المفهوم ليشمل مسار الحياة بشكل كامل وليس كمحطة للزواج فقط، بيد أني يجب أن أنبه بعدم اتفاقي مع المفهوم كاملًا ناهيك عن كونه موجه للمرأة كآداة تمييز. ولكن هذا ليس المغزى من حديثي. أعود بشرح المفهوم الذي اتسع ليجعل حياة الانسان وفق خط زمني معين و محدد بالدقة، فأنت يا انسان يطلب منك المجتمع أن تدرس إلى حد سني معين، و تتخرج في بدايات عشرينات عمرك، و تتوظف ثم ينتطر منك أن تتزوج، و بعد الزواج تأتي مسألة انجاب الأبناء و تربيتهم وتدريسهم وهكذا تكون أتممت الجولة بقطار الحياة تمامًا في أمثل صورة. و أو هكذا تظن!
. . .
تظن. !
—
يظن الانسان بأن قطار الحياة هذا متسق و له مسار محدد و أنه إذا صبر و تحمل و قام بدوره سيتوقف في نهاية المطاف عند حد معين! إلا أنه وعلى العكس مما يظن الجميع فالقطار لن يتوقف إلا عند موت الانسان! للأسف بالطبع والكثير لا يدرك هذا الأمر إلا بعد فوات الأوان.
أتدري لماذا يا قارئي العزيز؟
لأن من يبني رغباته و مسار حياته استنادًا على آراء الآخرين، و بحثًا عن رضاهم لن يتوقف أبدًا، حتمًا لن يفعل.
فالناس تطلب المزيد باستمرار، ولن يرضيها أي حال وصلت، بشكل إعجازي ستتفاجئ أن القطار مستمر ولن يتوقف بمجرد استيفاء المتطلبات الأساسية، و تكتشف أن ما قمت به بالفعل كانت متطلبات أوليّة، أو كما نقول جولة أولى! و أمامك جولات كثر ربما تكون لا نهائية! ستشتري السيارة، والمنزل، و الأساسيات، و حتى الكماليات بناءًا على معايير هذا المجتمع الذي يدفعك لكل خطوة في حياتك. و عندما تلتفت للوراء ستتفاجئ بأن كل ما يملكك لم تكن تملكه حقًا، و أنه يندر قيامك بشيء لأجل نفسك الحقيقية، و وفقًا لرغبتك و تلبية لحاجتك أنت لا أحد سواك. ربما تشعر بأن تخصصك لا يناسبك و بالغربة في هذا المنزل والمدينة التي تعيشها، و الاحتراق الوظيفي في هذه المهنة، أو حتى بانعدام التوافق مع شريك/ة الحياة و هلّم جرًا!!….
و ما يؤسفني حقًا و بناءًا على تجربة شخصية، لم أشعر قط باحساس جيد اتجاه نفسي وحياتي بعد قيامي بأمر كان الدافع الاساسي خارجي، أي لم تكن رغبتي الحقيقية! ولذلك كنت أصطدم بجدار صلب وقاسي أعاني آثار مؤلمة لفترة. و بمجرد التفكير بأن ذلك ربما يكون نمط عيش لآخرين لشهور و سنوات طويلة من حياتهم يجعلني أتساءل لماذا يقسو الإنسان على نفسه لهذا الحد؟
بالطبع يتلقى الانسان -كما حصل معي- هذه الحقيقة التي أعدها قاسية بعض الشيء بل ربما بالغة في القسوة بطريقة أقسى! فيدخل الكثير في حالات التخبط النفسي و الفراغ الشعوري جرّاء إدراك الانسان بأنه لم يعش قط لنفسه!
و في مقالي هذا شيء من التذكير و التنويه لحقيقة لم يفت الأو ان على إستيعابيها!
نعم لم يفت الأوان بأن يبحث كل منّا في دواخله عمّا يريده حقًا! و عن بوصلته الداخلية التي ترشده لمساره الذي يبتغيه لا بدافع خارجي و إنما نابع من الحب والتقدير لذاته. حتى لو يعني ذلك بأنك ستقضي وقت طويل في البحث عن الحقيقة. حتى لو سمعت صوت داخلي يقول أنك ربما تأخرت. لا! يا عزيزي أنت لم تتأخر! بل يجب عليك البدء بتصفية فكرة “تأخرت” هذه فما هي إلا آثار لوجودنا السابق في محطة القطار لفترة طويلة.
لنتخلص جميعًا من تذاكر القطار، و نخرج من المحطة بحثًا عن طريقنا نحو ذواتنا الحقيقية!
هَلْ عِشْتُ حَقّاً؟ يَكَادُ الشَّكُّ يَغْلِبُنِي
عصام العطار
تحياتي
شذى.

